Drag

Blog Details

معادلة القائد القوي: كيف اكتشفت أن نجاحي كان أكبر نقطة ضعف لفريقي

معادلة القائد القوي: كيف اكتشفت أن نجاحي كان أكبر نقطة ضعف لفريقي

Images
Authored by
admin
Date Released
نوفمبر 6, 2025
Comments
لا توجد تعليقات

وسط تهاني الزملاء بنجاح المشروع الذي أنقذ الربع المالي للشركة، اقترب مني خالد، مدير الإدارة المجاورة، وأخذني جانباً بعيداً عن الضجيج. وضع يده على كتفي وقال بجدية:

“عملك متقن كالعادة يا أبو سيف، ولا يختلف عليه اثنان. لكن اسمح لي بكلمة: أنت الخطر الأكبر على فريقك”.

لو جاء هذا التعليق من شخص آخر لاعتبرته غيرة أو حسداً. لكن خالد صديق ومنافس نزيه، وكلامه له قيمة. سقطت جملته على مسامعي كصوت زجاج يتحطم في غرفة صامتة.

أنا؟ خطر على فريقي؟ الفريق الذي بنيته، والذي أسهر الليالي لأحمل عنه الأعباء وأحل مشكلاته؟

تماسكت، فالقائد لا يسمح لمشاعره بالظهور سريعاً. قلت له بنبرة هادئة:

“كلمة ثقيلة يا خالد، ما الخلاصة؟”.

أجاب: “الخلاصة أنك أصبحت المحور الأوحد. أنت من يحل المشكلات، وأنت المنقذ في اللحظة الأخيرة. نجاح المشروع الأخير ارتبط باسمك وحدك، لأنك تدخلت في كل صغيرة وكبيرة. قوتك جعلت فريقك ضعيفاً. لا أحد يجرؤ على اتخاذ قرار دون موافقتك. صنعت لنفسك حضوراً طاغياً، لكنك حوّلت فريقك إلى متفرجين”.

كلماته أثارت في داخلي غضباً مكبوتاً. شعرت أنه ينتقص من أسلوبي الذي بنيت به مسيرتي: الحرص، والتفاني، وتحمل المسؤولية الكاملة. أليس هذا ما يميز القائد؟

شكرته ببرود ومضيت، لكن حديثه ظل يطرق ذهني.

في تلك الليلة، جلست أراجع تفاصيل المشروع. تذكرت كيف أعدتُ بنفسي العرض التقديمي للمبيعات في آخر ليلة لأنني لم أثق بلمسة المصمم الشاب. وكيف قمت بالتفاوض مع الموردين بنفسي خوفاً من أن يغفل مدير المشتريات عن بند صغير. وكيف توليت الرد على رسائل العملاء لأضمن أن تكون مثالية.

كنت أعتبر هذه المواقف دليلاً على التزامي وقوتي. لكن من زاوية أخرى، كانت دليلاً على ضعف ثقتي بفريقي. كنت الظل الذي يحجب عنهم الضوء، فأعاق نموّهم.

هنا استوعبت الحقيقة: المشكلة لم تكن في وجود قصور عندي، بل في المبالغة في استخدام نقاط قوتي. قدرتي على حل المشكلات أضعفت قدرتهم على المحاولة. حرصي على المثالية جعلهم يخشون الخطأ

أدركت عندها أن جوهر القيادة مختلف عمّا تصورت:

القوة الحقيقية للقائد لا تُقاس بقدرته على حمل الفريق، بل بقدرته على تمكين الفريق ليقف بثبات بمفرده.

لم يكن هذا الإدراك هزيمة، بل خطوة نحو النضج. في اليوم التالي، جمعت الفريق وقلت لهم:

“نجاحنا الأخير مهم، لكنه ارتبط بشخص واحد. من اليوم، دوري ليس أن أكون الحل لكل مشكلة، بل أن أُعدّكم أنتم لصناعة الحلول. سأفوض مسؤوليات أكبر، وأتوقع أن تخطئوا أحياناً، فالخطأ جزء من رحلة التطور”.

كان هناك تردد في البداية. لكن مع كل تفويض حقيقي، وكل قرار صعب تركتهم يتخذونه، وكل نجاح أعدت الفضل فيه إليهم، بدأ الفريق يتغير. لم يعودوا مجرد منفذين ينتظرون توجيهاً، بل أصبحوا شركاء في الإنجاز.

لم أفقد قوتي كقائد، بل صرت مصدر قوة مضاعفة. لم أعد المركز الوحيد الذي تُدار منه الأمور، بل أصبحت ميسّراً لبيئة تصنع قادة قادرين على اتخاذ القرار.

 

الدرس الذي خرجت به أن القيادة الراسخة لا تعني أن تكون الأبرز دائماً، بل أن تعرف متى تتراجع خطوة، لتمنح غيرك مساحة للنمو. وهذا هو الميزان الحقيقي للقوة.

Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خبرة واسعة في